|
د. إبراهيم أبراش
هل إسرائيل متكالبة بالفعل على التطبيع مع الأنظمة العربية؟
لم أكن في يوم من الأيام من دعاة التطبيع مع إسرائيل، وكتبت أكثر من مرة
معارضاً للتطبيع ومحذراً من مخاطره على الشعب الفلسطيني وعلى المصالح
العربية القومية، ولكن ذلك كان منذ سنوات، عندما كانت الأنظمة العربية في
غالبيتها مقاطعة لإسرائيل بالفعل وكانت مقاطعة حقيقية تُلحق أضراراً
اقتصادية وسياسية ونفسية بالمجتمع الإسرائيلي وحيث كان الإسرائيليون
يشعرون بأنهم بين فكي كماشة ومحاصرون من دول عربية تحشد الجيوش وتطور
قدراتها من اجل القضاء عليها!
وحتى في تلك المرحلة كان هناك نوع من التمييع و الارتجالية في التعامل مع
موضوع التطبيع، فالبعض تعامل مع موضوع التطبيع والحديث عن التطبيع من
منطلق البراغماتية الخالصة ،السياسية أو المصلحية ،أو لتمرير موقف سياسي
من العملية السلمية برمتها. وكان من الممكن التمييز آنذاك من جهة الموقف
المبدئي من التطبيع وهو الموقف الذي يربط التطبيع بالمصالح الإستراتيجية
للأمة وقيمها الثابتة غير القابلة للمساومة، ومن جهة أخرى الموقف من
التطبيع الذي يُوظف لاعتبارات سياسية داخلية ولمجرد إحراج السلطة وتأليب
الرأي العام ضدها إن كان رفض التطبيع موقفاً من المعارضة، أو تستعمل ورقة
التطبيع كوسيلة لخداع الجماهير والتلاعب بعواطفها إن كان موقفا للسلطة.
نعم، هناك من يعارض التطبيع لأن التطبيع مع عدو ما زال يحتل الأرض يتناقض
مع المصالح الإستراتيجية للأمة ومع قيمها الوطنية والإسلامية، وموقف
هؤلاء يعد تواصلاً مع موقفهم المبدئي المساند للقضية الفلسطينية، في
المقابل هناك من يؤيد التطبيع دون أن يكون هذا التأييد مبنياً على خلفية
سياسية أو بما يخدم مصلحة الأمة، بل يؤيد هؤلاء التطبيع مع إسرائيل لأنهم
يعتقدون أنهم بموقفهم هذا سيرضى عنهم النظام الذي ينتمون إليه، أو يكون
موقفهم نكاية بخصمهم السياسي المحلي الذي هو دوماً ضد الكيان الصهيوني،
وبالتالي يطبقوا مقولة (عدوعدوي صديقي)، ومن هؤلاء من يساند التطبيع
لأنهم يأملون جني أرباح اقتصادية من خلال التعامل مع إسرائيل وهؤلاء
غالباً من أصحاب رؤوس الأموال وسماسرة الشركات العالمية الكبرى الذين لا
يهمهم إلا الربح المادي فقط - وخصوصا أن السفارات أو مكاتب الاتصال
الإسرائيلية مستعدة لتقديم إغراءات مالية كتذاكر سفر أو حتى منح مالية
ودعوات يسيل لها لعاب ضعاف النفوس ومن يتطلع إلى الشهرة، ويمكن أن نضيف
نوعاً آخر من المطبعين وهم المتطرفون من الأقليات العرقية أو الدينية
الذين يجدون في إسرائيل حليفاً لهم ضد ما يعتبرونه الهيمنة العربية أو
الإسلامية.
أما اليوم وبعد كل ما جرى خلال العقد الأخير، من احتلال للعراق واحتلال
غير مباشر لأكثر من دولة عربية وهيمنة مباشرة على بقية الدول العربية،
وانشغال الجيوش العربية بحفظ أمن الأنظمة ومواجهة التهديدات الداخلية،
وتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية لأدنى درجات سلم الأولويات عند
الأنظمة، ومع تكرار تبادل الزيارات بين مسئولين إسرائيليين ومسؤولين عرب،
ولقاءات ومعانقات في أكثر من مؤتمر دولي وإقليمي، وفتح متبادل لمكاتب
تمثيل اقتصادية وثقافية وإعلامية بشكل علني أحياناً وسري حيناً آخر،
وحضور وفود شبابية وطلابية وأكاديمية لملتقيات تشارك فيها إسرائيل باسم
السلام والتعايش... الخ، وفتح غالبية الفضائيات العربية أبوابها مشرعة
أمام المسئولين الإسرائيليين من سياسيين وعسكريين ليقولوا ما يريدون،
واندماج قصري للاقتصاديات العربية في العولمة الاقتصادية بما تمليه من
فتح للحدود ووقف للمقاطعة الاقتصادية على أسس سياسية... بعد كل ذلك هل
توجد مقاطعة عربية رسمية وحقيقية لإسرائيل؟ وهل إسرائيل متخوفة ومتضررة
من المقاطعة الرسمية العربية وبالتالي متكالبة اليوم على التطبيع؟
سيجيب البعض بالإيجاب على هذين السؤالين انطلاقاً من تصريحات مسئوولين
إسرائيليين كوزير الخارجية الذي يصرح بين فترة وأخرى بأن إسرائيل تجري
مفاوضات مع عدة دول عربية من أجل تطبيع العلاقات، وانطلاقاً من نفي
مسئوولين عرب للأمر، وتصريحات مبهمة لجامعة الدول العربية وأمينها العام،
وعقد لقاءات وندوات حول التطبيع مطالبة برفض التطبيع واستمرار سياسة
المقاطعة!
نعتقد أنه من الخطأ اعتماد التصريحات الإسرائيلية حول الموضوع لأن
إسرائيل عوَّدتنا على سياسة المناورة والخداع وتضليل الرأي العام العربي
والعالمي، فهي من خلال هذه التصريحات تريد أن تقول بأنها تريد السلام مع
العرب ولا تألُ جهداً لإقامة علاقات عادية معهم ولكنهم يرفضون السلام
ويرفضون التطبيع، وكأنها بصيغة أخرى تريد أن توصل للعالم رسالة بأنها ما
زالت مُهددة من دول عربية تهدد وجودها وترفض الاعتراف بها ومن خلال هذا
الوهم أو المغالطة تكسب مزيداً من الدعم والتعاطف الخارجي، وقد ساعدتها
هذه المغالطة -التي تشارك بها الأنظمة العربية بنفاقها وانتهازيتها وبعض
الجماعات الإسلامية بشعاراتها المتطرفة وغير العقلانية وممارساتها
العسكرية ضد مدنيين إسرائيليين في أوقات وأماكن غير مناسبة-، والتي تقول
بأنها دولة صغيرة مهددة بوجودها من طرف ملايين العرب والمسلمين، على
انتزاع قرار دولي بالاعتراف بالمحرقة كحقيقة لا يمكن التشكيك بها!
كما لا يمكننا الركون للتصريحات الرسمية العربية لأن الأنظمة العربية وفي
ظل المأزق الذي تعيشه وفي ظل اهتزاز شرعيتها وفي ظل التهديد الذي تتعرض
له من الجماعات الدينية المعارضة، فهي لا تجرؤ على البوح بالحقيقة،
والحقيقة هي أنها لم تعد تعادي أو تقاطع إسرائيل، ولا تستطيع أن تعاديها
ما دامت هذه الأنظمة أصبحت أداة طيعة بيد الولايات المتحدة والنظام
الدولي الجديد، والحقيقة أن هناك تفاهماً ما بين غالبية الأنظمة العربية
والولايات المتحدة على أن تضع هذه الأنظمة حداً لمقاطعة إسرائيل بطريق
متدرجة وسرية إن كان ضرورياً، ولا تقف عائقاً أمام المطبعين من سياسيين
واقتصاديين وإعلاميين، ولا بأس مقابل ذلك أن تستمر هذه الأنظمة بالحديث
عن المقاطعة ورفض التطبيع.
إذن ما العمل؟ وهل نستمر بابتلاع هذا الوهم وهْم وجود مقاطعة رسمية عربية
لإسرائيل، والتمسك بشعارات بعيدة عن الواقع؟ أم نصارح أنفسنا بالحقيقة
ونفكر بطريقة مغايرة؟ قد يبدو ما أقترحه مفاجئاً وخروجاً عما يعتقد البعض
بأنه مسلمات، ولكن دعونا نفكر بهدوء ونتساءل مرة أخرى: هل استمرار الوضع
على ما هو عليه بالنسبة للتطبيع وتأكله تدريجياً دون أن نحقق شيئاً
بالرغم من كل ما كُتب وقيل حول وقف التطبيع؟ أم أن يأخذ الحكام العرب
مبادرة واضحة وقراراً جماعياً بأنهم مع التطبيع الرسمي وأنهم يقررون
الاعتراف بإسرائيل ويقبلون فتح سفارات لهم فيها مقابل فتح إسرائيل
لسفارات عربية مع فتح الحدود دون قيود بين الطرفين؟
أعتقد أن إسرائيل ستفاجأ وترتبك وقد ترفض هي الأمر! سترفض فتح السفارات
والحدود وحرية التنقل، سترفض ذلك لأنها لم تعد معنية بالأنظمة وسياساتها
لأنها أنظمة لم تعد مصدر تهديد بالخطر بالنسبة لها، هي لا تريد اعتراف
الأنظمة ولكنها تريد اعتراف الشعوب، وهذا الاعتراف لا يأتي بقرار رسمي من
أنظمة فاقدة الشرعية عند شعوبها، وإسرائيل سترفض هذا الهجوم العربي
الرسمي المعاكس، لأنها وضمن النهج والتواطؤ السائد تحقق ما تريد دون أن
تخسر لا ورقة التعاطف الدولي معها كدولة مهَددَة بوجودها من العرب
والمسلمين ولا ورقة العدو الخارجي التي هي ورقة ضرورية للتعبئة والحشد
الداخلي وخصوصاً عند الحكومة اليمينية.
ليست هذه دعوة للتطبيع الشعبي ولكنها دعوة لوقف مهزلة ورقة التطبيع التي
تتلاعب بها الأنظمة بعواطف الشعوب واستغلال القضية الفلسطينية لخدمة
أغراض أنظمة مأزومة، إذن فلتطبع الأنظمة مع إسرائيل إن شاءت ولتستمر
الشعوب متمسكة برفض التطبيع ومتمسكة بقيمها وثقافتها وحقها بمقاومة كل
أشكال الهيمنة والاحتلال ما استطاعت لذلك سبيلاً، إلى حين التوصل لسلام
عادل يعيد الحق لأصحابه. |